كان يُفترض أن الكاميرات القديمة لن تبقى اليوم إلا كإكسسوارات، لكن الكاميرا الفورية فعلت شيئًا أغرب من ذلك: لقد بقيت مفيدة لأن هواتفنا جعلت التصوير اليومي سهلًا إلى حدّ أن نوعًا أشقّ من الصور صار له أخيرًا دور أوضح.
وهذا ليس مجرد إحساس. فقد ظلّ خط Instax من Fujifilm عملًا تجاريًا حقيقيًا لسنوات، لا مجرد قطعة على رفّ في متحف. وفي عام 2022، قالت Fujifilm لمستثمريها إن نشاط instax باع أكثر من 70 مليون كاميرا وطابعة حول العالم منذ إطلاقه. ولو كانت الهواتف الذكية قد قضت فعلًا على التصوير الفوري، لما استمرت أرقام كهذه في الظهور.
قراءة مقترحة
70+ مليون
قالت Fujifilm إن كاميرات وطابعات Instax التابعة لها باعت أكثر من 70 مليون وحدة حول العالم بحلول عام 2022، ما يدلّ على أن التصوير الفوري ظلّ حاضرًا تجاريًا في عصر الهواتف الذكية.
أفكر في الأمر بالطريقة التي قد أشرحها بها لمراهق يفتّش في صندوق قديم لأغراض التخييم. هاتفك أفضل في التقاط الصورة، والاحتفاظ بها، وإصلاحها، وإرسالها. أما الكاميرا الفورية فهي أسوأ في كل ذلك. ومع هذا، لا يزال الناس يصطحبونها إلى أعياد الميلاد، والرحلات البرية، وحفلات الزفاف، والسهرات، ومواقع التخييم، لأنها تفعل شيئًا لا يفعله الهاتف في الغالب: تحوّل اللحظة إلى شيء مادي عن قصد.
لنبدأ بالجزء الواضح. فكاميرا الهاتف تتفوّق في سهولة الاستخدام تفوقًا يكاد لا يترك مجالًا للنقاش. فهي موجودة أصلًا في جيبك. يمكنك أن تلتقط خمسين إطارًا في دقيقة، وتحذف اللقطات التي أُغمضت فيها العيون، وتزيد سطوع الصور المعتمة، وترسل أفضل صورة قبل أن يغادر الناس المكان أصلًا.
لقد غيّرت تلك السهولة معنى التقاط الصورة. فعندما تصبح كل صورة رخيصة وسريعة وشبه بلا حدود، يصير الفعل نفسه خفيفًا. ضغطة. إعادة التقاط. ضغطة أخرى. أرشفة. رفع. وانتهى الأمر. ويمكنك أن تلمس هذه الآلية في عاداتك أنت: لأن تكلفة الإطار الإضافي تكاد تكون معدومة، فإنك تمنح كل إطار منفرد قدرًا أقل من الانتباه.
الفرق هنا بسيط: الهواتف تُحسّن الالتقاط والتداول، بينما تُحسّن الكاميرات الفورية الالتزام والمناولة المباشرة.
| البعد | الهاتف | الكاميرا الفورية |
|---|---|---|
| تكلفة الإطار الواحد | تكاد تكون صفرًا | تكلفة حقيقية لكل لقطة |
| إعادة الالتقاط | غير محدودة | إطار واحد محسوم |
| التحرير | سهل الإصلاح وزيادة السطوع | تحكم محدود بعد الضغط على زر الالتقاط |
| الوجهة | الأرشيف أو المشاركة على المنصات | يُسلَّم باليد أو يُعرض كغرض مادي |
| السلوك الذي تشجّعه | كثرة في الإنتاج وسهولة في التنفيذ | عناية أكبر بالتكوين وإحساس بالعواقب |
وهنا يُساء فهم التكنولوجيا القديمة. يفترض الناس أن الكاميرات الفورية بقيت فقط لأنها لطيفة أو ساحرة. لا شك أن لذلك أثرًا، نعم. لكن سرّ بقائها يأتي من الوظيفة. فقد استحوذت الهواتف الذكية على التصوير بوصفه التقاطًا إلى درجة أتاحت للكاميرات الفورية أن تتحرر لتصبح تصويرًا بوصفه تذكارًا وهدية وطقسًا.
ويمكنك أن تسمع هذا التحول في طريقة استخدام الناس لها. ففي الحفلات، لا يمدّ أحد يده إلى كاميرا فورية لأنها تمتلك أحدّ عدسة في المكان. بل يفعل ذلك عندما يريد للصورة أن تغادر مع أحدهم. الجاذبية العاطفية هنا هي الذاكرة؛ أما الآلية فهي النقل. الهاتف يرسل نسخة. أما الكاميرا الفورية فتعطي الشيء نفسه.
وقد صاغت الباحثة الإعلامية خوسيه فان دايك نسخة من هذه الفكرة في كتابها الصادر عام 2007، Mediated Memories in the Digital Age: فالصور ليست مجرد سجلات؛ إنها تساعد أيضًا على تشكيل الذاكرة والروابط الاجتماعية. والصور المادية تؤدي ذلك بطريقة مختلفة لأنها تعيش في الحيّز، لا في التخزين فقط. أنت تلاحظها وأنت تمرّ بجانبها. والآخرون يلاحظونها أيضًا. إنها تواصل مقاطعة الحياة اليومية، وهذا أحد أسباب بقائها في الذاكرة.
ثم يأتي الجزء الذي علّمك هاتفك أن تنساه. تضغط زر الالتقاط في كاميرا فورية، وبدلًا من أن تظهر لك صورة مكتملة فورًا على الشاشة، تنبثق الطباعة إلى الخارج مع أزيز ميكانيكي خافت. تمسكها من الحافة وتشعر بذلك الاحتكاك الطباشيري الخفيف لورق الصورة وهو ينزلق حرًّا ثم يتصلّب في الهواء.
ولم يكتمل شيء بعد. فالمراهق المعتاد على الضغط والتحقق عليه أن ينتظر. ليس ثانية واحدة، بل بضع دقائق. وقت يكفي كي يتوقف عن الأداء للكاميرا ويبدأ في الانتباه إلى أن شيئًا يُصنع في يده. هذا التحول في المقياس الزمني هو الحيلة كلها.
وهنا تكمن المفارقة الواقعية في قلب هذه الحكاية: التكنولوجيا الأسرع تحلّ عادة محل التكنولوجيا الأبطأ. وفي أغلب الحالات تكون تلك نهاية القصة. لكن بعدما أصبحت السرعة أمرًا شاملًا، لم تعد الوتيرة البطيئة عيبًا، بل صارت ميزة يمكن للناس أن يختاروها عندما يريدون أن يشعروا بأن لحظة ما مفصولة عن السيل المتدفق.
وتكمن أهمية العملية في أن الفيلم الفوري لا يغيّر ما تحصل عليه فحسب، بل يغيّر أيضًا كيف يتصرف الناس أثناء الحصول عليه.
بدلًا من عرض صورة منتهية على الشاشة، تُخرج الكاميرا نسخة مطبوعة مادية.
هذا التأخير يكسر عادة الهاتف القائمة على التحقق الفوري وإعادة الالتقاط.
في غياب حلقة التحقق وإعادة الالتقاط الفورية، يهدأ الناس غالبًا، ويراقبون، ويتحدثون بينما تتطور الصورة.
تبدو النتيجة أقل شبهًا باستخراج صورة، وأكثر شبهًا بمشاهدة شيء صغير يُصنع.
ونشرت عالمة النفس ليندا هينكل في جامعة فيرفيلد عام 2014 دراسة في مجلة Psychological Science بعنوان «Point-and-Shoot Memories»، شملت 28 طالبًا زاروا متحفًا. ووجدت أنه عندما يصوّر الناس الأشياء، فإنهم يتذكرون لاحقًا تفاصيل أقل عنها مقارنة بمن اكتفوا بمشاهدتها، إلا إذا صوّروها بطريقة تفرض انتباهًا أدق. والخلاصة هنا ليست «لا تلتقطوا الصور أبدًا». بل إن الطريقة التي نصوّر بها تغيّر الطريقة التي ننتبه بها. والكاميرات الفورية، بحكم تصميمها، تعيد دفع الانتباه نحو إطار واحد.
ومن الجدير قوله بصراحة: الكاميرات الفورية أسوأ من حيث سهولة الاستخدام، والتحكم في الصورة، وتكلفة اللقطة الواحدة، وهي لا تناسب كل أنواع المصورين. فالفيلم مكلف. والصور تكون غالبًا رخوة أو غير مثالية. كما أن الإضاءة المنخفضة قد تُفسد النتيجة. وإذا كنت توثّق رحلة، أو تصوّر رياضة، أو تحاول تعلّم التصوير التقني، فهاتفك أو كاميرا رقمية سيكونان أنسب لك.
ويُعاد تغليف كثير من الحنين إلى الكاميرات الفورية وبيعه للناس من جديد، وأحيانًا بلا مواربة. وفي بعض الأحيان، يكون الخيار الأذكى هو أن تلتقط الصورة بهاتفك ثم تطبع بعض الصور المفضلة لاحقًا. فهذا يمنحك جودة صورة أفضل وهدرًا أقل. وإذا كان كل ما تريده هو مجرد صورة مادية، فإن هذا الخيار منطقي.
لكن ذلك لا يلغي وظيفة الكاميرا الفورية. فالمسألة ليست صورًا أفضل. بل وظيفة اجتماعية ومادية مختلفة. تصل الطباعة في المكان نفسه والوقت نفسه اللذين وقع فيهما الحدث، وهذا يغيّر طبيعة التبادل. يمكن توقيعها، أو تسليمها باليد، أو تثبيتها على الحائط، أو فقدانها في جيب سترة قبل منتصف الليل. أما الطباعة اللاحقة من هاتفك فقد تكون جميلة فعلًا، لكنها تبقى قرارًا مؤجلًا.
إذا أردت قاعدة عملية، فاستعمل هذه: اختر الصيغة الفورية عندما تكون الصورة مقصودة لمغادرة اقتصاد الشاشة والدخول في علاقة. وهذا يعني غالبًا لحظة مرتبطة بشخص، أو بمكان على الحائط، أو بتبادل من يد إلى يد. ليس كل عشاء. وليس كل غروب. بل اللحظات التي تطلب شيئًا ماديًا، لا مجرد ملف.
وهناك اختبار بسيط يفيدك. هل ستظل تريد هذه الصورة لو لم يكن مسموحًا لك إلا بالتقاط واحدة وتسليمها لشخص ما؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنت على الأرجح في منطقة الكاميرا الفورية، حتى لو كانت الأداة التي ستستخدمها في النهاية هي هاتفك مع طابعة.
هذه هي أنظف طريقة للتفكير فيما تغيّر قبل الهواتف الذكية وبعدها. فقد أصبحت الهواتف الأداة الافتراضية لالتقاط الحياة. وبقيت الكاميرات الفورية لتؤدي تلك المهمة الأصغر والأغرب: تحويل قطعة من الحياة إلى شيء يمكنك أن تمسكه. استخدمها في اللحظات التي تريد أن تلتزم بها مرة واحدة، ثم تمرّرها من يد إلى أخرى.